بعد سنوات من الغياب، تعود الممثلة اللبنانية فاليري أبو شقرا إلى الدراما من بوابة مسلسل "حب أسود"، حاملةً معها ذلك الحضور الناعم والعفوي الذي لطالما ميّزها وأحبّه الجمهور.
حضور يشبه النسمة، بعيد من المبالغة والتكلّف، كما اعتدنا عليها في أعمال مثل "ما فيي" و"لا حكم عليه" و"من.. إلى"، حيث استطاعت أن ترسّخ صورة خاصة تقوم على البساطة والجاذبية والقدرة على الوصول إلى المشاهد بهدوء.
لكن ما يلفت الانتباه في عودة أبو شقرا لا يقتصر على استعادة هذا الحضور المحبّب، بل يمتد إلى ذكاء اختيار الشخصية التي تعود من خلالها. فلانا تشبه فاليري في عفويتها ورقتها وقربها من الناس، لكنها تحمل في الوقت نفسه تحوّلات وتناقضات تتيح للممثلة اختبار جوانب جديدة من أدائها، والتنقّل بين الحب والخذلان والصراع مع خيارات تفرضها الظروف.
لانا فتاة تحب الحياة والبساطة، وتجد قيمتها في التفاصيل الصادقة بعيداً من المظاهر والمكانة الاجتماعية. ورغم نشأتها في عائلة ميسورة، لا تشعر بأنها تنتمي تماماً إلى عالمها، ما يفسّر انجذابها إلى فارس الذي يقدم دوره الممثل السوري سامر إسماعيل، الذي يمنحها صورة الحياة التي تتمناها. لكن قصة الحب التي تبدو متجهة نحو نهاية سعيدة تنحرف إلى مسار معقّد بظل وجود مجد الذي يقدم دوره الممثل السوري يامن الحجلي في حياتها، لتجد نفسها أمام خيارات قاسية تقلب مسارها.
من هنا، تبدو الشخصية مناسبة لعودة فاليري، إذ تمنحها فرصة الحفاظ على هويتها التمثيلية التي ارتبط بها الجمهور، من دون الاكتفاء بتكرار تجاربها السابقة. فـ رقة حضورها لا تعني ضعف الشخصية، وعفويتها لا تنفي قدرتها على التعبير عن الانكسار والحيرة والصراع الداخلي. وبين فتاة تؤمن بالحب وأخرى تجد نفسها محاصرة بظروف لم تخترها، تتشكّل مساحة واعدة لإظهار تطوّر أدائها مع تقدّم الأحداث.
ويكتسب هذا الاختيار أهمية إضافية مع اجتماعها بإسمين بارزين، سامر إسماعيل ويامن الحجلي، ضمن حكاية تقوم على التباين بين فارس، الذي يتمسّك بحبه ويصعب عليه تقبّل الخسارة، ومجد، الذي تتحوّل رغبته في لانا إلى نزعة للتملّك والسيطرة. وبينهما، تصبح لانا أكثر من طرف في مثلث عاطفي، فهي محور تتكشف من خلاله اختلالات العلاقات حين يتداخل الحب مع الرغبة في فرض الإرادة.
وتأتي هذه العودة ضمن موجة المسلسلات التركية المعرّبة التي تحظى بجماهيرية واسعة لدى الجمهور العربي، بفضل قصصها المشحونة بالعاطفة والتشويق والصراعات الإنسانية. ويستند "حب أسود" إلى المسلسل التركي "حب أعمى"، الذي حقق نجاحاً لافتاً، كما نالت شخصية نيهان، التي أدّتها نسليهان أتاغول، إعجاب الجمهور، ما يضع النسخة العربية أمام تحدّي الحفاظ على جاذبية الحكاية، مع منح شخصياتها هويتها الخاصة.
ويبقى التحدي الأبرز في الحلقات المقبلة هو قدرة العمل على استثمار التوتر العاطفي والنفسي في قصة لانا، من دون الوقوع في فخ الإطالة والمماطلة، وهي من أبرز المآخذ التي قد تواجه المسلسلات التركية المعرّبة حين تتراجع وتيرة الأحداث أو تتكرر الصراعات على حساب تطوّر الشخصيات.
حتى الآن، تحمل عودة فاليري أبو شقرا عناصر مشجعة: حضوراً مألوفاً يفتقده الجمهور، وشخصية تنسجم مع طبيعتها الأدائية وتتيح لها في الوقت نفسه مساحة للتحدّي، إلى جانب فريق تمثيلي قادر على بناء مواجهات درامية لافتة. ويبقى الرهان على ما ستحمله الحلقات المقبلة، وعلى قدرة "حب أسود" على الحفاظ على إيقاع مشوّق يواكب تطوّر لانا، لتكون هذه العودة أكثر من لقاء جديد بين ممثلة محبوبة وجمهورها، بل محطة تستعيد فيها فاليري حضورها وتضيف إليه أبعاداً جديدة.


























